ماذا تعني السيطرة على باب المندب.. وأيّ تأثير على قناة السويس؟
وسّعت جماعة أنصار الله (الحوثيين) نطاق سيطرتها على الساحل الغربي لليمن وصولا إلى قلب مضيق باب المندب، وذلك بعد انتشار مسلحيها في جزيرة ميون الإستراتيجية، في تطور يعزز وجود الجماعة على واحد من أهم ممرات الملاحة والتجارة العالمية.
ويتمتع مضيق باب المندب بأهمية استراتيجية كبيرة في منطقة الشرق الأوسط وعلى مستوى العالم أيضاً كونه المعبر إلى قناة السويس المصرية، الممر المائي الدولي الذي يوفر أقصر مسار بحري يربط شرق العالم بغربه من خلال الربط بين البحرين الأحمر والأبيض المتوسط.
لذلك، يُعد أي إغلاق لهذا الممر المائي الاستراتيجي أو اضطراب في حركة السفن عبره من أهم العوامل التي قد تضر كثيرًا بقناة السويس وما تحققه من إيرادات.

قناة السويس.. الخطر في الطرف الجنوبي
يمثل باب المندب البوابة الجنوبية لطريق البحر الأحمر المؤدي إلى قناة السويس، ولذلك فإن تعطيل الملاحة فيه لا يحتاج إلى إغلاق كامل للمضيق حتى تظهر آثاره على القناة.
وسبق أن اختبرت مصر ذلك منذ أواخر 2023، عندما دفعت هجمات الحوثيين شركات شحن ونفط كبرى، بينها ميرسك وإم إس سي وهاباغ-لويد وبي بي، إلى تحويل سفنها بعيداً عن البحر الأحمر وقناة السويس والإبحار حول رأس الرجاء الصالح، ما أطال زمن الرحلات ورفع تكاليف الشحن.
وتشير رويترز إلى أن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن التعطيل الجزئي للملاحة يمكن أن تكون له تداعيات واسعة. ومع زيادة قدرة الحوثيين على تهديد السفن العابرة، قد تجد شركات الملاحة نفسها مجدداً أمام المفاضلة بين تحمل مخاطر وتكاليف أعلى للعبور أو اتخاذ الطريق الأطول حول أفريقيا، ما يعني تراجع عدد السفن المارة بقناة السويس والضغط على إيراداتها.
وتزداد أهمية المضيق بالنسبة إلى أسواق الطاقة في ظل اضطراب هرمز، إذ أظهرت بيانات شركة كبلر أن المنتجات النفطية العابرة لباب المندب في جوان مثلت نحو 7% من إنتاج النفط العالمي، ما يضاعف حساسية الأسواق لأي اضطراب جديد في الممر.

أهمية باب المندب منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران
يأتي هذا التحول في وقت اكتسب فيه باب المندب أهمية أكبر منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فيفري 2026، وما أعقبها من اضطراب حاد في حركة النفط عبر مضيق هرمز.
وتظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ارتفاع تدفقات النفط والسوائل البترولية عبر باب المندب من 5.4 ملايين برميل يومياً في الربع الأخير من 2025 إلى 8.1 ملايين في الربع الثاني من 2026، بينما هبطت التدفقات عبر هرمز خلال الفترة نفسها من 21.6 مليوناً إلى 4.9 ملايين برميل يومياً.
وتكشف هذه الأرقام عن تغير مهم في خريطة الممرات البحرية خلال الحرب. فمع تراجع حركة النفط عبر هرمز، ازدادت أهمية طريق البحر الأحمر، خصوصاً بالنسبة إلى السعودية التي تستطيع نقل الخام من شرق المملكة إلى ميناء ينبع عبر خط أنابيب شرق–غرب، ومنه إلى الأسواق عبر البحر الأحمر.
أين يقع باب المندب؟
يقع المضيق، الذي يعرف باسم "باب الدموع" بسبب خطورة الملاحة فيه، عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر بين اليمن في شبه الجزيرة العربية وجيبوتي وإريتريا على الساحل الأفريقي.
ويقع على الجانب المقابل من شبه الجزيرة العربية لمضيق هرمز، أحد المحاور الرئيسية للحرب الأمريكية الإيرانية.
ويبلغ عرض الممر المائي 29 كيلومتراً عند أضيق نقطة فيه، ما يقصر حركة السفن على قناتين للشحنات القادمة والمغادرة، يفصل بينهما جزيرة ميون.
وإلى الشمال تقع جزر حنيش بين مدينتي الحديدة والمخا الساحليتين، ما يمنح من يسيطر عليها موقعاً يتيح له رصد ومراقبة السفن القادمة، وفق وكالة رويترز. ويسيطر الحوثيون على الحديدة التي استخدموها قاعدة لحملتهم الأوسع من الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر.
ما هي الشحنات التي تمر عبر باب المندب؟
المضيق من أهم المسارات في العالم لشحن السلع والبضائع بحراً، لا سيما من آسيا إلى أوروبا عبر قناة السويس. كما أنه حيوي لحركة الشحن من خط أنابيب سوميد على ساحل مصر المطل على البحر الأحمر، وللسلع المتجهة إلى آسيا، ما في ذلك النفط الروسي.
وهو البوابة الجنوبية لقناة السويس، ما يعني أن السفن يجب أن تمر عبره للوصول إلى القناة من جهة الجنوب.
ويجبر تعطل حركة الشحن في المضيق السفن على تغيير مسارها والإبحار حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، ما يضيف أسابيع وتكاليف كبيرة إلى رحلة كانت ستكون مباشرة لولا ذلك.
ماذا سيطر عليه الحوثيون فعلياً في باب المندب؟
غيّر التقدم العسكري الأخير للحوثيين خريطة السيطرة على الساحل الغربي لليمن، بعدما انتقلت الجماعة خلال أيام إلى مناطق وجزر تقع داخل باب المندب وحوله على النحو التالي:
المخا وذباب.. السيطرة على الساحل اليمني
بدأ التحول الأبرز بسيطرة الحوثيين على مدينة وميناء المخا في 10 سبتمبر، قبل أن يمتد تقدمهم جنوباً باتجاه مدينة ذباب، الأقرب إلى باب المندب. وتمنح هذه المواقع الجماعة وجوداً على الجزء اليمني من الساحل المطل على الممر الذي يربط خليج عدن بالبحر الأحمر.
ووثقت صحيفة واشنطن بوست دخول الحوثيين إلى المخا، فيما أفادت وكالة أسوشيتد برس باستمرار المواجهات ومحاولات القوات الحكومية إعادة تنظيم صفوفها في المنطقة.
ميون.. موطئ قدم داخل المضيق
أما التطور الأكثر أهمية فكان السيطرة على جزيرة ميون، الواقعة داخل باب المندب نفسه. فالجزيرة تقسم المضيق إلى قناتين، وتمر خطوط الملاحة الدولية بالقرب منها، ما يمنح موقعها أهمية تتجاوز المكاسب البرية التي حققها الحوثيون على الساحل.
وتضع السيطرة على ميون الحوثيين للمرة الأولى خلال التقدم الحالي في موقع داخل المضيق نفسه، وليس على الساحل المطل عليه فقط.
حنيش وزُقر.. التمدد شمال باب المندب
لم يتوقف التقدم عند ميون، بل امتد شمالاً إلى جزر استراتيجية في جنوب البحر الأحمر. وأفادت تقارير بسيطرة الحوثيين على زُقر، قبل أن تؤكد أسوشيتد برس في 14 سبتمبر سيطرة الجماعة على حنيش الكبرى وحنيش الصغرى.
وبذلك أصبح انتشار الحوثيين يمتد من الساحل الغربي اليمني إلى مجموعة من الجزر الواقعة على امتداد الطريق البحري شمال باب المندب.
ورغم أهمية هذه المكاسب، فإن وصفها بأنها "سيطرة كاملة على باب المندب" يحتاج إلى قدر من الحذر. فالحوثيون باتوا يسيطرون على مواقع رئيسية على الجانب اليمني، إضافة إلى جزيرة ميون داخل المضيق وجزر استراتيجية شماله، لكن الضفة المقابلة تقع على الساحل الأفريقي بين جيبوتي وإريتريا، كما أن حركة السفن عبر المضيق لم تتوقف حتى الآن.
لذلك، فإن ما تغير فعلياً هو خريطة المواقع التي يستطيع الحوثيون استخدامها لمراقبة الملاحة أو تهديدها والاقتراب منها، وليس انتقال الممر البحري بأكمله إلى سيطرتهم.
ماذا تعني سيطرة الحوثيين على المضيق؟
لا تتوقف تداعيات التقدم الحوثي حول باب المندب عند حدود اليمن، إذ يقع المضيق في قلب طريق تعتمد عليه دول الخليج لتصدير الطاقة، وفي الوقت نفسه يمثل المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وقناة السويس.
ومع اضطراب الملاحة عبر هرمز، بات أي تهديد جديد لهذا الطريق يضيف ضغوطاً اقتصادية وأمنية على الخليج، ويمتد أثره شمالاً إلى مصر وحركة التجارة عبر القناة على النحو التالي:
دول الخليج بين هرمز وباب المندب
يضع التقدم الحوثي حول باب المندب دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، أمام ضغوط متزامنة على اثنين من أهم منافذ تصدير الطاقة في المنطقة. فبعد اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، حولت الرياض جزءاً كبيراً من صادراتها النفطية غرباً عبر خط أنابيب شرق–غرب إلى موانئ البحر الأحمر، قبل أن يتعرض الخط نفسه لهجوم أدى إلى إغلاقه.
وبذلك، أصبح المسار الذي وفر للسعودية بديلاً عن هرمز أكثر عرضة للمخاطر مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني والجزر المحيطة بباب المندب. وقال فواز جرجس، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، لوكالة رويترز إن السيطرة على مواقع استراتيجية قرب المضيق تمنح الحوثيين نفوذاً جيوسياسياً واقتصادياً أكبر في مواجهة السعودية ودول الخليج.
ولا تقتصر التداعيات المحتملة على صادرات النفط، إذ يمكن لاستمرار المخاطر في هرمز وباب المندب أن يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويزيد الضغوط على حركة التجارة الخليجية، سواء لصادرات الطاقة أو واردات السلع.
ضغوط تدفع الخليج نحو طهران
تتزامن الضغوط على الممرات البحرية مع تحركات خليجية للبحث عن مسارات دبلوماسية لخفض التصعيد. وكان من المقرر أن تستضيف سلطنة عُمان اجتماعاً بين وزراء خارجية خليجيين ونظيرهم الإيراني عباس عراقجي، الإثنين 14 سبتمبر، لبحث ترتيبات محتملة للملاحة عبر هرمز، قبل تأجيله.
وحسب محللين تحدثوا إلى رويترز، فإن استمرار الضغوط الاقتصادية والأمنية قد يدفع دول الخليج إلى فتح قنوات تفاوض مباشرة مع طهران لحماية مصالحها، بالتوازي مع علاقاتها الأمنية مع واشنطن، خصوصاً إذا تعذر التوصل سريعاً إلى حل يضمن استقرار طرق تصدير الطاقة.
لماذا أقلق تقدم الحوثيين في اليمن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية؟
وفق إعلام عبري، فإن التطورات المتسارعة في اليمن وتقدم جماعة الحوثي باتا يشغلان بشكل كبير المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وسط مخاوف من تداعيات سيطرة الجماعة على مضيق باب المندب الاستراتيجي.
ونقلت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية نقلاً عن مصادر مطلعة لم تسمها قولها إن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتابع "بقلق" التطورات الأخيرة في منطقة البحر الأحمر، بعدما واصل الحوثيون خلال الأيام الماضية السيطرة على بلدات ومواقع على امتداد جنوب البحر الأحمر، وصولاً إلى إحكام سيطرتهم على باب المندب.
وأشارت إلى أن إسرائيل تعتبر التطور "مقلقاً"، إلا أن المؤسسة الأمنية لا تتوقع تدخلاً عسكرياً إسرائيلياً في الوقت الحالي، ما لم تتعرض إسرائيل لهجوم مباشر.
ونقلت الصحيفة عن تقديرات أمنية إسرائيلية أن خطورة الوضع تكمن في مضيق باب المندب، إذ يصل عرضه في بعض أجزائه إلى نحو 18 كيلومتراً فقط، ما يجعل تعطيل حركة السفن فيه أسهل مقارنة بممرات بحرية أوسع.
وقد يتمكن الحوثيين من استخدام صواريخ وقوارب مفخخة لاستهداف السفن واختيار أهدافهم بصورة دقيقة، ما يمنحهم قدرة على التأثير في حركة الملاحة عبر الممر الذي يشكل شرياناً مهماً للتجارة الدولية.
ما التالــــــــــــــــــــــــــــــــــي؟
تبرز 3 سيناريوهات رئيسية لمستقبل المعركة في الساحل الغربي لليمن وباب المندب، في ظل التقدم الأخير الذي حققه الحوثيون والضغوط العسكرية المقابلة، بحسب ما رصدت وكالة الأناضول.
أولاً: هجمات مضادة وتراجع حوثي
قد تواجه جماعة الحوثي صعوبة في الاحتفاظ بالمناطق التي تقدمت إليها، خاصة مع استمرار الضغوط العسكرية وفتح جبهات في مأرب والجوف والبيضاء وتعز والساحل الغربي. ويرى الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، عادل دشيلة، أن ذلك قد يؤدي إلى إبطاء تقدم الجماعة أو دفعها إلى إعادة الانتشار في بعض المواقع.
ويتوقع الخبير العسكري محمد الكميم، في المقابل، أن تشن القوات الحكومية هجمات مضادة لاستعادة المناطق التي خسرتها، وصولاً إلى المخا والمواقع المحيطة بباب المندب، محذراً من أن تأخر التحرك قد يسمح للحوثيين بتثبيت مكاسبهم.
ثانياً: تدخل إقليمي ودولي
قد تتجاوز المعركة حدود اليمن إذا تحول التقدم الحوثي إلى تهديد مباشر للملاحة الدولية. ويرى الكميم في حديثه إلى وكالة الأناضول أن السيطرة على مواقع استراتيجية مثل ميون وحنيش تجعل التطورات مرتبطة بالأمن البحري الإقليمي والدولي، ما قد يدفع إلى تحركات عسكرية أو سياسية أوسع لمنع تعطيل حركة السفن.
ويكتسب هذا الاحتمال أهمية إضافية مع وجود تحالف بحري دفاعي أعلنت السعودية تشكيله في جويلية 2026 بمشاركة 14 دولة لحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.
ثالثاً: تثبيت المكاسب وتجنب استهداف الملاحة
يرى الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، عادل دشيلة أن الحوثيين قد يتجهون إلى الاحتفاظ بالمناطق التي سيطروا عليها على الساحل الغربي واستخدامها للضغط على السعودية، مع تجنب إغلاق باب المندب أو استهداف السفن الدولية مباشرة.
ويتيح هذا السيناريو للجماعة محاولة تثبيت نفوذها الجديد من دون استدعاء مواجهة دولية أوسع، لكنه قد يتزامن مع استمرار الغارات السعودية ودعم القوات الحكومية، ما يجعل حسم المعركة أو إخراج الحوثيين سريعاً من المناطق الجديدة أمراً صعباً.
(عربي بوست+الجزيرة+رويترز+الأناضول)